محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

275

الإنجاد في أبواب الجهاد

آبائهم » : إنما يُراد به نفي الحرج والإثم في إصابتهم على وجه الضرورة من غير قَصْد . ثم اختلف القائلون بأنهم محمولون على الكفر : هل ذلك على الإطلاق في أحكام الدنيا والآخرة حتى يستوجبوا التخليد في النار ؟ أو هو خاصٌّ بأحكام الدنيا ؟ كرفع المأثم فيهم عن أهل البيات ، والدِّية عن قاتلهم خطأ ، كجواز استرقاقهم بالأسر من دار الحرب ، وترك الصلاة على من مات منهم ، وثبوت التوارث بينهم وبين سائر الكفار إذا كانوا أحراراً ، وما أشبه ذلك من أحكام الدنيا ؟ وأمَّا أحكام الآخرة ؛ فإلى الله ؛ فهو أعلم بما كانوا عاملين ، مصيراً إلى ما وقع من ذلك في الحديث ؛ فتلك ثلاثة مذاهب . وبالجملة ؛ الخوض في تفصيلِ النَّظر في المسألة ، ومواقع الخلاف ، وبسط وجوه الأدلة والاعتراض عليها ، والتفريع عنها ، فذلك له غرضٌ كبير ليس هذا مَوضعَ اسْتِقْصائه ، وكأن الظاهرَ عند ترجيح الأدلَّة ، والأوْلى في حَملِ بعضها على بعضٍ بالبناء على قواعد الشرع المعلومة في اختصاص وجوب التكليف بالبالغ ، ورفْعِ الإثم ، والاتصاف بالمعصية عن غير البالغ ، يشهد لمن ذهب إلى أنهم على أحكام المؤمنين ( 1 ) ، وأنهم في الجنة إذا ماتوا قبل البلوغ بكلِّ حالٍ - إن شاء الله - .

--> ( 1 ) نعم ؛ الراجح صحة إسلام المراهق والصبي ، دل عليه ما أخرجه البخاري في « صحيحه » في كتاب الجنائز ( باب إذا أسلم الصبي فمات ، هل يُصلَّى عليه وهل يُعرضُ على الصبي الإسلام ؟ ) ( رقم 1356 ) عن أنس - رضي الله عنه - ؛ قال : كان غلام يهودي يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فمرض ، فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوده ، فقعد عند رأسه ، فقال له : « أسلم » . فنظر إلى أبيه وهو عنده ، فقال له : أطع أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - . فأسلم ، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول : « الحمد لله الذي أنقذه من النار » . وذكر البخاري أن الحسن وشريح وإبراهيم وقتادة قالوا : إذا أسلم أحدهما - أي الوالدين - ؛ فالولد مع المسلم ، وكان ابن عباس - رضي الله عنهما - مع أمه من المستضعفين ، ولم يكن مع أبيه على دين قومه ، وقال : « الإسلام يعلو ولا يُعْلَى » . قلت : وأسند البخاري في الباب نفسه عرْض النبي - صلى الله عليه وسلم - الإسلام على ابن صياد وهو غلام لم يبلغ ، وأسلم عليٌّ والزبير وهما أبناء ثمان سنين . =